بشوفه حقيقة
واشوفه سراب
وقنديل مضوي على كل باب
يامه اعمليلي منديل حرير
منديل حرير امسح دموعي فيه
ده الكون كله حبيبي
وفين حبيبي الاقيه
لم يكن قنديلي المضوي فحسب.. بل كان قنديلاً ونافذة يستطيع أي مبدع أن يعبر منها فيصيبه الإلهام.. كان شمساً وقمراً سماء بكامل ألقها وبهاءها.. كثيرون يستعجبون من صوري وخيالاتي وكتابتي والقائي أحياناً.. كيف لكم أن تستعجبون وأنا كنت ولازلت ملاصقة له ولروحه..
حمدي..
العين وبؤبؤها ومنتصف المسافة بينهم.. الطير الشارد المترنح على أغصانه المغرد الصامت.. كان يتحدث في صمت شديد.. وعندما تراه تسأل نفسك على الفور كيف لإنسان أن يعيش كل هذا الهدوء وسط ضجيج الحياة المُر.. المفاجأة هي أن حمدي لم يهدأ لحظة ولم يسترح.. إنما عاش صامتاً.. ربما أدرك ماهية الحياة.. وعبثها وتفاهتها.. فابتعد ليشاهدها وهو جالساً على كرسيه كعادته يضع رجل فوق الأخرى.. يبعثر دخانه ويرسم عليه كلماته..
كان معجوناً بالشعر وجنياته ومتمكناً من مفرداته لم يقوى عليه أحد في الكلمة.. وكان يدخل على عبد الرحيم منصور فيجده يفكر مثلا في كتابة أغنية لفلان أو لفلانة.. فيقطع علبة السجائر ويصنع منها ورقة يكتب عليها أعذب الأغاني والكلمات.. ثم يترك الورقة ليعود الطير لبلاده.. صعيده الحُر الجنوبي الذي لا يعرف الرمادية.. صادقاً مخلصاً في أبسط التفاصيل وأهونها وأصغرها.. هكذا كان حمدي..
ربما أكمل عبد الرحيم العديد من القصاصات الحمدية وأصبحت أغاني نرددها حتى اليوم باسم عبد الرحيم منصور..
كان يسمع حمدي إذاعة الأغاني بكل سرور وبهجة وفخر.. وعندما ناقشته في هذا الموضوع يوماً ما.. لم ينكر بل أجاب بكل سعادة قائلاً"وانا وعبد الرحيم ايه؟؟؟ واحد...".. كنت عندما اسمع صوت مذيعة الراديو وهي تقول استمعنا إلى أغنية "كذا" بصوت المطرب كذا وكلمات الشاعر الكبير عبد الرحيم منصور.. أعقب عليها قائلة كلمات الشاعر الكبير حمدي منصور.. فيضحك ويرد سريعاً " وايه الفرق عبد الرحيم انا وانا عبد الرحيم"..
لم يصدق لحظة أن عبد الرحيم لم يعد في الحياة.. كان بكامل قناعاته أنه موجود حياً.. في مكان ما.. سفره بعيد بعض الشئ.. لكنه موجود.. ومن الحين للآخر كان يقنعني معه بهذا الشئ.. في يوم ما جاء غرفتي بعد الفجر.. استأذن ودخل.. وقلما فعل هذا.. فزيارته لغرفنا ضنينة جدا.. عندما رأيته مستيقظاً من نومه مخصوص ليخبرني بشئ ما.. استيقظت أيضاً سريعاً وانتبهت له جيداً.. فقال لي أننا لابد أن نتناول وجبة الغداء غداً في مقهى "ريش".. واستكمل كلامه بأننا سوف لا ندفع الحساب..
استغربته جدا.. استغربت كل شئ.. أنه استيقظ ولم ينتظر للصباح حتى يقول لي هكذا.. واننا لم ندفع الحساب.. حمدي لم يستخدم اي هواتف طيلة حياته حتى أخمن أن أحدهم اتصل عليه وعزمه مثلا.. ولكن أحدهم اتصل عليه وعزمه فعلا ولكن ليس عن طريق الهاتف..
قولت له وقتها أننا سنذهب طبعا ريش ونتناول الغداء.. إلى هنا تمام.. بس ليه مش هندفع الحساب.. ولا انت عايزني اغسل الصحون مثلا وأخذت اضحك.. فقال لي بكل جدية أن عبد الرحيم هيعدي ويحاسبلنا.. فأنا تجمدت في مكاني.. وربما اقتربت دموعي أن تتساقط من عيني.. فأجبته سريعاً بأننا هنروح بس تعالى اوديك اوضتك واغطيك دلوقتي كمل نومك.. وأول ما نصحى ونفطر.. هننزل من اول اليوم نعمل كل اللي انت عايزه.. لم أنم ليلتها حتى الصباح وربما ليال كثيرة بعدها وأنا أفكر.. كيف لإنسان أن يعيش ٤٠ عاماً.. مخلصاً لروح آخر..
حمدي أورثني وعلمني أعظم دروس الحياة.. وبالمناسبة هو عايش معايا مماتش.. مسافر بعيد شويه.. بس بنحكي مع بعض.. وصوته في ودني.. وريحته في مناخيري..
ملحوظة كلمات أغنية المفتتح لحمدي وعبد الرحيم منصور❤️