محاولة للتعمق في عقلية صانع القرار بطهران...
نتنياهو أرسل رسالتين إحداهما إلى رأس حسن نصر الله والأخرى إلى مفاعلات برنامج إيران النووي
1ــ في ما مضى كانت إيران تعلم أن برنامجها النووي في مأمن من أي عدوان إسرائيلي؛ نظرا لوجود أغلب المفاعلات الأساسية وأغلب أجهزة الطرد المركزية فائقة التطور أسفل منحدرات جبلية تحت الأرض بنحو 80 مترا، كما هو الحال في منشأة فوردو المهمة للغاية في منظومة البرنامج النووي لإيران.
3ــ ففي واقعة اغتيال حسن نصر الله استخدمت إسرائيل ــ وربما للمرة الأولى ــ نحو 85 قنبلة خارقة للتحصينات من طراز "مارك 84" تزن الواحدة منها طنا كاملا تقريبا وأسقطتها على مكان وجود الأمين العام لحزب الله ما أدى إلى مصرعه ورفاقه، وعلمت إسرائيل بوقوع الاغتيال قبل علم غيرها.
4ــ هذا بالرغم من أن نصر الله كان يجلس في مقر قيادة حزب الله بالطابق الرابع عشر أسفل الأرض، أي على عمق نحو 60 مترا من مكان سقوط تلك القنابل أخذا في الحسبان أن كل طابق على ارتفاع نحو 3 أمتار مع وجود 6 طوابق فوق الأرض.
5ــ وهو ما يعني إمكانية وصول مثل تلك القنابل ــ المتوحشة الرهيبة القادرة على إبادة أحياء بأكملها ــ إلى قلب المنشآت النووية الإيرانية التي لطالما اعتقدت طهران أنها عصية على الاستهداف، إلا باحتلال ميداني وغزو بري لأراضيها كما سبق في خبراتها الطويلة مع التاريخ الدامي على مر القرون السالفة.
6ــ على هذا المنوال ربما يدرك صانع القرار في إيران أن العدوان الإسرائيلي الراهن في لبنان واغتيال حسن نصر الله هدفه استدراج طهران إلى الحرب وبالتالي خلق الظروف المواتية لشن هجمات على درة المشروع الإيراني وهو البرنامج النووي الذي قاب قوسين أو أدنى من الاكتمال.
7ــ بالتالي فإنه من المستبعد وفق هذه المعطيات أن تتخذ إيران قرار الشروع في الحرب أو حتى إرسال متطوعين إلى الأراضي اللبنانية بحسب ما أعلنه آية الله محمد حسن أختري، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الدولية، كما سبق وفعلت في العام 1981.
8ــ وهذا النهج من التفكير الإستراتيجي ببساطة يستمد منطقيته وفق المنظور الإيراني من أنه سيترتب عليه توسيع نطاق المعركة وجر الولايات المتحدة الأمريكية الحتمي إلى الصراع، وبالتالي تعريض رأس المال السياسي والاقتصادي والعلمي الذي أنفقته إيران على ذلك المشروع النووي في 70 عاما إلى الخطر المؤكد؛ لإدراك طهران الواقعي في الظرف الراهن حقيقة الفارق التكنولوجي الهائل بين خندقين تقبع هي في أحدهما حاملة المدافع والأبواق وتنظر إلى جثوم الطرف الآخر على وجهه في أعماقه.
9ــ ولعل هذا التفكير ما ذهب إليه قطاع كبير من صناع القرار في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الذي نقلت التقارير وجود اختلافات حول ماهية الرد الإيراني المناسب على مثل هذا الحدث الجلل، ومنهم جراح القلب المهادن الرئيس مسعود بزشكيان الذي ربما لا يريد أن يُكتب في سيرته الذاتية وفي تاريخ إيران المعاصر أنه عرَّض بلاده إلى خطر تدمير البنية التحية بفعل السلاح الأمريكي.
10ــ ما سبق كان تفكيرا بصوت عال هدفه محاولة التعمق في عقلية صانع القرار بطهران الذي ربما يتصور أن رئيس حكومة دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو أرسل رسالتين في وقت واحد، إحداهما "فعلية" إلى رأس حسن نصر الله والأخرى "تخيلية" إلى مفاعلات برنامج إيران النووي.