لاتكاد توجد أنثى إلا وتمنت في طفولتها الأولى أن لو كانت ذكرا مثل أخيها ، الذي يفعل مايبدو له في الدنيا ولايفارقه يقين بأن جنة الفردوس في الآخرة تتجلى له وتتزين استعدادا لمقدمه البهي ، أم هي فتنتظرها نارا تلظى لأدنى خطأ ، فإذا فعل أخوها شيئا غير لائق ستر ، وإذا فعلته هي قوبلت بوابل من النقد وربما السباب، ثم التوعد بنار تلظى في الآخرة ، وإذا تجرأت فسألت لماذا ؟ كان الجواب باختصار " أخوك ولد وأنت بنت " يعني قضية هو وهي!!!
ورغم الغصة التي كانت ولاتزال تملؤ حناجر كثير من الإناث في طفولتهن الأولى إزاء هذه التفرقة غير المعقولة ولاالمبررة ، إلا أنهن لايملكن في الغالب والكثير سوى أن يستودعن مايعانين في مكنون صدورهن ، استسلاما لقدر الله فيهن إلى أن تحين ساعة الانفجار التي لايعلم إلا الله وحده إلى من سوف تتوجه !!
ولاأدري ماالعمل إزاء ثقافة دينية ذكورية لاتزال تكرس لمفهوم : أن الذكر أفضل عند الله من الأنثى، لكونه أوفر عقلا وأتم نفسا وأقوى جسدا وأكمل خلقة الخ ، بدليل أن النبوة فيهم والصديقين منهم وكذا الأولياء ، " وقد كمل منهم الكثيرون ، ولم يكمل من النساء سوى أربع : آسية ومريم وخديجة وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم "
هذا الحديث الذي نلقنه أبناءنا صغارا دائما في معرض الانتقاص من كفاءة الأنثى العقلية بل والأخلاقية ، لاسيما ونحن نجد كثيرا من النساء يرددنه ، كلما بدا لهن تصرف لايحمدنه من جنس الإناث وهن غافلات .
هذا مما زاد من ترسيخ معنى النقص الكامن في الإناث جبلة ، حتى تشبعت به كثيرات من النساء أنفسهن ، فرضين بأقل القليل مما تجود به الحياة عليهن ، هذا إن جادت .
ومما يؤكد على أن هذا الاعتقاد المهين للإنسانية كلها ضارب في ثقافتنا بعمق : أن نجد عددا من المفسرين حين يفسرون قوله تعالى " ولاتؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما " يقولون بأن المراد بالسفهاء في الآية : النساء ، لأنهن سفيهات العقول خلقة ، ثم يتبعون تفسيرهم هذا بالتعليل له بكون الرجال أرجح عقلا وأقوى جسدا والنبوة فيهم الخ
و ينص الإمام الرازي- على جلالة قدره وعظيم مكانته - على أن المرأة بطبعها معوجة الخلق سفيهة العقل -هكذا جهارا نهارا- ويستطرد قائلا : ولاينبغي أن تتعلم إلا لأجل حصول كمال الاستمتاع بها للرجل ، لأنها لو ظلت جاهلة لنقص استمتاعه بها …ياللهول !!
ويؤكد كثير من الفقهاء على دونية المرأة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنهن أكثر أهل النار …هكذا على الإطلاق ، دون دراسة واعية للحديث وظروف وروده ومقابلته بقواطع الشريعة النافية يقينا بعدم التفرقة بين الذكور والإناث فيما يختص بالكرامة الإنسانية ، وأمر الثواب والعقاب في الآخرة تحديدا !!
وعلى كل : فما عسى الإناث فاعلات حين نربي الذكور في مجتمعاتنا على هذه الثقافة المغلوطة ، غير الاستسلام لقدر الله فيهن ،أو العداء الكامل الشامل تجاه جماعة الذكور والرغبة في التشفي منهم إن حانت الفرصة ، ثم نعود فنشكو من ظاهرة ترجل الفتيات وتبدل الأدوار داخل الأسر ، وأيضا اضطهاد بعض الزوجات للأزواج وهلم جرا .
والآن دعوني أثبت إلى كم زيف وعينا الديني !!!وإلى أي مدى جاءت هذه الاعتقادات كلها مجافية للحقيقة ، بل إن الحقيقة على عكسها تماما.
مع العلم بأن ماسوف أسوقه إنما هو على سبيل المثال وليس الحصر مما يضيق المقام هنا عن الاستطراد فيه . ولكن في منشور تال بإذن الله.