يُعد الكاتب والمفكر الكبير محمد جلال كشك من أعظم وأبرز كتاب مصر، وممن كان لهم دوي كبير في عالم الفكر والتنظير، وقد مر محمد جلال بمراحل تطور وانتقال وتغيير دفة الهوى الفكري شأنه في ذلك شأن كبار الكتاب والمفكرين كمصطفى محمود وخالد محمد خالد، فقد بدأ كشك من محطة اليسار وانتهى به المطاف ككاتب إسلامي له احترامه وفكره المكين المعتبر.
ولعلنا إذا ذكرنا الشيخ محمد الغزالي وكيف مات رحمه الله وهو يشتبك مع خصوم الفكرة الإسلامية في مؤتمر بالرياض، نزعم أنه رحمه الله قد نال مكان الشهادة العظيمة وهو في هذا الحال، الدالة على حسن الخاتمة، فقضى نحبه رحمه الله، وهو ينافح عن دينه، شأنه شأن ذلك المجاهد الذي مات في ساحة القتال جهادا في سبيل الله.
نذكر ذلك ونعتبر به، ونعده من مفاخر الشيخ وذكراه العطرة، بينما يغيب عنا في هذا المقام محمد جلال كشك، الذي قضى نحبه شبيها بحالة الشيخ الغزالي، حينما أصيب بأزمة قلبية حادة، فاجأته وهو مشتبك في مناظرة تليفونية أجرتها على الهواء إذاعة صوت أمريكا، بينه وبين نصر أبو زيد، حول أزمته الشهيرة وقتها، وانفعل جلال كشك انفعالا حادا، وهو يستنكر ما أورده أبو زيد في كتابه وبحثه الذي أثار الجدل وقتها حول قضية التطليق التي رفعها أحد المواطنين ضد أبوزيد، مما اعتبرها دليل تعصب وإرهاب من الإسلاميين، أكد جلال كشك أن القضية ليست قضية التطليق، بل هي التزوير، وهل يصح لمن يزوِّر النصوص، ويختلق الوقائع، لإثبات رأي مسبق في حالة ما، ويندفع في هذا الاتجاه إلى درجة التلفيق ـ هل يجوز لمثل هذا الشخص أن يبقى ضمن هيئة التدريس في جامعة محترمة؟ واحتدت المناقشة إلى درجة كبيرة، وأصيب الأستاذ كشك بأزمة قلبية حادة، فاضت روحه على إثرها في 21 جمادى الآخرة الموافق 5/12/1993م، ودُفن في مصر، وأوصى أن يُدفن معه في مقبرته ثلاثة كتب: "السعوديون والحل الإسلامي، ودخلت الخيل الأزهر، وقيل الحمد لله"
ألا يجدر بنا أن نحتفي بجلال كشك، ونعده من فرسان الكلمة وممن نال الشهادة وحسن الخاتمة وهو ينافح عن دينه ومعتقده، كما نعد الشيخ الغزالي ونثني على بلائه؟!
اعتنق كشك الشيوعية عام 1946، وكان من مؤسسي الحزب الشيوعي المصري، وبعد خمس سنوات من الانتظام في الحركة الشيوعية المصرية اعتزل جلال كشك الحزب الشيوعي عام 1950م على أثر خلاف حول الكفاح المسلح في القتال والموقف من حكومة الوفد.
وعاش حالة من عدم الانتماء حتى عام 1958م حين تبيّن له بصورة واضحة ما رآه (خيانة الشيوعيين للفكر العربي حينما عارضوا الوحدة العربية). وفي عام 1962م كتب سلسلة مقالات بعنوان (خلافنا مع الشيوعيين) فردت عليه جريدة البرافدا السوفيتية، وكانت أول مرة تهاجم صحفياً مصرياً باسمه وقالت: "إنّ استمرار جلال كشك في الصحافة المصرية يسيء للاتحاد السوفيتي"، فأخرج من حقل الصحافة عام 1964م إلى عام 1967م, حيث قضى ثلاث سنوات حرم فيها حق العمل – أي عمل -، ثم أعيد للعمل في مؤسسة (أخبار اليوم)
لجلال كشك ثلاثة عشر مؤلفاً إسلامياً، وخمس كتب كتبها في المرحلة الشيوعية منها كتاب (الجبهة الشعبية) الذي كان يدرس في مناهج الأحزاب الشيوعية المصرية.
ومما يحسب له هجومه على كتابات لويس عوض ونظرياته التاريخية، واعتبرها امتدادًا للمدرسة الاستعمارية في تفسير التاريخ، ووصفه بأنه أحد مزوري التاريخ انطلاقاً من بعض المواقف كثناء لويس عوض على المعلم يعقوب ووصفه بالوطنية والتحرر.