آخر الموثقات

  • الجدة..!
  • الجوهرة السوداوية
  • البول الغامق معناه أنك تطمئن على الكلى
  • عادل أبو سنة
  • الطب وقيمته
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. الأعمال الموثقة
  4. مشهد من الحياة .. بقلم مني امين
⭐ 0 / 5
مشهد من الحياة

مشهد من الحياة .....

تململت سارة في فراشها وصارت تتقلب يمينا ويسارا وكأنها تهدهد النوم كطفل حتى يستكين في عينيها وتغلق عليها جفنيها المتهالكين لتروح في سبات عميق ، ولكن هيهات فقد ذهبت كل محاولاتها هباءا بالرغم من أن يومها كان شاقا مرهقا ، قضته تتنقل في تلك الدار من مكان إلى مكان لتتعرف عليه وعلى طبيعة عملها فيه .. عملها التطوعي الذي اختارته بمحض إرادتها لكي تكون ضمن من يقومون برعاية كبار السن ؛ فهي تعشق خدمة هؤلاء العائدون إلى الطفولة بعد رحلة مضنية مع الحياة أرهقتهم ، ولذلك التحقت بتلك الدار لرعاية المسنين ونظرا لحياتها الخاوية فقد اختارت أن تقيم إقامة كاملة في تلك الدار وقضت يومها كله تتنقل هنا وهناك لتتعرف على النزلاء وعلى العاملين وكل شيء وهاهي الآن تبيت أول لياليها في تلك الدار ولكنه نفس الوحدة ونفس الأرق ونفس الملل الكئيب ذلك الزائر الليلي الذي لم يقطع موعده معها ابدا منذ بضع سنوات .
ولكن هذا الزائر الليلي دائما يأتي وفي جعبته قصاصات من ذكريات أليمة وبعض من كؤوس مرارة هي عصارة أيام وليالي كابدتها وتجرعت تفاصيلها رشفة تلو الأخرى ..... وفي حركة مباغتة نفضت غطاء فراشها وألقته بعيدا في تمرد واضح على كل شيء على النوم وعلى الليل وزائريه ؛ ثم ارتدت "الروب" فوق ملابس النوم وخرجت خارج حجرتها وسارت في الدهليز الطويل وكأنه نفق تعبر منه لتخرج من عالمها المتكرر والذي ظنت أنها تركته ولكنه هاهو ذا مازال يفرض وجوده كالضيف السئيل 
ظلت تتجول بين أبواب حجرات النزيلات حتى رأت ضوء لحجرة مضاء وبداخله يبدو صوت المذياع ... طرقت باب الحجرة بصوت خفيض وكأنها تخشى أن يسمعها من بالداخل ولما لم تتلق جوابا فتحت الباب في هدوء وهذا حقها فهي المشرفة على ذلك الدور .. دخلت الحجرة بهدوء شديد حتى لا تزعج من بالحجرة فوجدت سيدة تنام على الفراش وقد سقطت الغطاء من عليها في الأرض في تلك الليلة الشديدة البرودة وقد تقوست السيدة على نفسها من البرد وصوت المذياع يئن بجوارها ... 
شعرت بشفقة رهيبة على تلك السيدة ومالت على الأرض في سرعة وأخذت الغطاء ودسرت به السيدة في عناية شديدة وبحنان دافق. ..  
فتحت السيدة عينيها وهي تبتسم في امتنان إلى سارة وهي تقول "جزاكي الله خيرا يا ابنتي ، أشكرك كثيرا" .... قالت سارة " لا تشكريني يا أمي فهذا واجبي فلم أفعل شيئا أستحق عليه الشكر" 
قالت "بل فعلتي ... يكفي أنكي أول لمسة حنان أشعر بها منذ سنوات ، صدقيني يا ابنتي لا يشعر بالحنان إلا من يحتاجه وحرم منه مثلي "
جلست سارة بجوارها على الفراش وأردفت السيدة تقول " لقد أصيبت بشلل نصفي منذ خمسة أعوام وأولادي لم يتحملوني بعدها سوى بضعة أشهر وبعدها أتوا بي إلى هنا بحجة أن هنا رعاية أفضل ونسوا أو تناسوا أن لمسة حنان مثل التي أحسستها منكي الآن هي أكثر ما احتاج إليه ؛ أتدرين يا ابنتي قبل أن تدخلي حجرتي وقع عني الغطاء ولأنني عاجزة عن الحركة لم أستطع أن أحضره من الأرض واتغطى مرة أخرى ولم أملك سوى أن احتضن نفسي بنفسي وأقنع نفسي أن الغطاء مازال فوقي بل وسرحت بخيالي لاتخيل أن ابنتي تحكم الغطاء من حولي وتربت علي حتى انام ، وها هو الله كان رحيما بي فأرسلك لي لتحققي حلمي " تأثرت سارة جدا بكلام العجوز ودون أن تشعر وجدت تحكم الغطاء وتربت على السيدة وتقبل جبينها وقالت " ولماذا أولادك هكذا " 
قالت " لا أدري بالرغم من أنني قد راعيت أمي رعاية كاملة وانا أفعله سعيدة وكانت دائما تدعو لي وتشهد الله برضاءها علي "
سارة " غريبة كيف لم تعقي أمك ويعقك أولادك"
العجوز " كثيرا سألت نفسي هذا السؤال وأخيرا قلت ربما أراد الله أن يريني كيف انا كنت بارة بأمي وذلك عندما احتاج لأشياء كنت أقدمها لأمي ولا أجد من يقدمها لي ، فلا يحس بالنقص إلا المحتاج .. ولقد أراد الله ألا يحرمني ويكافئني فأرسلك بتلك اللمسة الحانية لروح جفت من قلة الحنان "
قبلتها سارة في تأثر شديد وقالت "اعتبريني من اليوم ابنتك وها أنا ذا سأجلس بجوارك حتى تنامي ولن اتركك حتى اطمئن أنكي نمتي بالفعل "
ابتسمت السيدة وفي عينيها تتراقص دمعة سعادة ..
جلست سارة وهي تطبطب عليها كطفلة صغيرة وهي تشعر بتأثر شديد وبحنان جارف ناحية تلك العجوز المستكينة باستسلام .... لم تعلم كم من الوقت مضى ولكنها عندما شعرت أن السيدة أخلدت للنوم قامت على أطراف اصابعها وخرجت وأغلقت الباب خلفها 
وهنا فتحت العجوز عينيها وهي تبتسم وتقول " شكرا يا ابنتي"
=========
تمت