بينما أقود سيارتي وسط الزحام في نهار مُشمس.. تجلس بجواري زوجتي ومن خلفها أولادي، ورأسي مُعبأ آلياً بضرورة قضاء بعض الاحتياجات، والمتطلبات اللازمة التي يحتاجها أي بيت..
فجأة ينصرف ذهني عن الطريق لثوانٍ خاطفة.. تماماً كومضة عين أتت من عالم آخر لا وجود لها بيننا، وأعطت إشارة بدء للمخ بأن ينتبه.. أُمعنت النظر قليلاً لأرى ما سر هذا البريق من الضوء الذي أتاني بغتة دون سابق إنذار؟ وأَلقى بنوره على عقلي الباطن داخل بقعة ظلام تسكن عقلي في تلك اللحظات..
إذ بي أرى على جانبي الطريق يميناً شخصاً أسود البشرة
يبدو من ملامحه أنه أفريقي الجنسية.. يحمل في يده عدة لوحات فنية مرسومة بمهارة فائقة.. يتبين منها أنها أعمال فنية يعرضها للبيع، ودون أن أفكر دُرت بسيارتي في أقرب دوران لي مما أصاب زوجتي بالدهشة والتعجب في أنني غيرت اتجاهي بسرعة، وكأنني تذكرت شيئاً قد نسيته ورجعت لجلبه..
اقتربت من هذا الشخص.. وهدفي أن أُشعره بذاته وبأنه استثناء.. تبسمت في وجهه وسألته: هل كل هذه الأعمال من صنع يدك؟ فأومأ برأسه مُطأطأها لأسفل بالإيجاب..
أعطيته قدره من الترحيب، وأثنيت على موهبته التي حباها الله له إياها، ووقفت أتأمل لوحاته وألوانها المنتقاة بعناية،
وَعَبَّرَتْ أكثر شيء عن طبيعة بِكْر خلابة.. يبدو أنه عاش بين ربوعها، وانعكست عليه تلك الطبيعة وبيئتها الفطرية ونقاءها.. فانتفضت مشاعره وتحركت ذائقته الفنية والحسية، ليَخرج هذا الإبداع بهذا الشكل، وتخرج معه تلك الطاقة الكامنة فيه، ويترجمها في أبهى صورة وأجمل رسم في لوحة تعبيرية عَبَّرَتْ عن واقعه والبيئة المحيطة به..
اشتريت منه بعض إبداعاته وانصرفت، ولكن بقيت صورته في خيالي لا تفارقني بعينيه البريئتين وأدبه الجم..
إن مكانه ومكانته كفنان يجب أن تكون في معرض فني يليق به وبإبداعه.. وسط كوكبة من متذوقي الفن والجمال تُثَمِّن وجوده.. لا أن يقف في الشارع كالباعة الجائلين
إنها الظروف وقسوة الحياة التي تضطرنا أحياناً لفعل ما لا نرضاه فيما يُنقص من شأننا لأجل لقمة العيش
هناك نماذج بشرية تعيش بيننا مهمشين، ومكانتها الفعلية المتميزة يُفترض أن تسطع وتوضع" بين قوسين ".