المنفى ليس جواز سفر، ولا حدود.
يكفي أن تستيقظ في بيتك، ولا تعرف كيف وصلت إليه. أن تسمع لغتك فتبدو غريبة، ثقيلة، كأنك تتعلمها من جديد. أن يمر وجه مألوف أمامك، فتبتسم له بتوتر، كأنك تجامله على ذكريات لا تخصك، وتخشى أن تصرخ في وجه الزمان وتقول: "من أنتم؟ ولماذا أنتم هنا؟"
المنفى ي ضي:
هو أن تكون جسدًا بلا روح، ونبضًا بلا معنى.
أنت لست في مكان بعيد، بل في قلبك. المنفى ليس مكانًا، إنه شعور غامض يلفك كما يلف الغبار الزجاج في الخريف. هو الفراغ الذي لا يُملأ، والغياب الذي لا ينتهي. لا أحتاج لجواز سفر لأدرك أنه قد جاء. لقد أصبح المنفى في كل ذرة من كياني. أستيقظ كل يوم في بيت لا يشبهني، في عالم يتقلب مثل أوراق شجرة هشة، كل زاوية فيه تحمل لي غربة غير مرئية، وكأنما الزمن قد قرر أن يكون صديقي الوحيد.
أمشي وسط الناس وكأنني ظلهم.
قلبي يئن بصمت، أبحث عن نفسي بين ملامح وجوههم التي لا أعرفها. أرى عيونًا تبتسم، ولكن لا أستطيع أن أضحك. أسمع أصواتًا تضحك، ولكن صوتي يكاد يضيع في الزمان. في داخلي، هناك شعور غريب مثل ألم لا يشفى، مثل جرح قديم لا يُمحى، وكأنني أعيش بين الزمنين، بين ما كان وما سيكون، وأنا لا أملك سوى نفسي، التي أصبحت منفى.
كل لحظة تتسرب مني كما تتسرب الرمال بين أصابع يدي.
أغمض عيني، وأشعر بدموعي تسقط على صور قديمة. أتذكر الوجوه التي فقدتها، والأماكن التي مررتها بها، والأحلام التي ظننت أنها لي، ولكنها كانت شبحًا يهرب مني. هل كانت حياتي مجرد سلسلة من الهروب؟ هل كنت أركض بعيدًا عن نفسي، أم أنني كنت أركض نحو المجهول؟
وأنت، يا ضي، هل هذا هو ما كنا نبحث عنه؟
هل كان كل ما فعلناه مجرد خطوات في طريق المنفى؟ أم أننا كنا نحاول أن نعود إلى أنفسنا، إلى تلك اللحظة التي كانت فيها أرواحنا متصلة بحلم مشترك؟ هل من الممكن أن نعود إلى ما كنا عليه قبل أن نغادر؟ أم أن العودة، كما يقولون، هي مجرد وهم؟
في هذا الفراغ، أتساءل: من زرع فينا هذا الألم؟ من سرق منا الأمل؟
هل نحن من جلبنا المنفى إلى حياتنا أم أنه كان هناك، مختبئًا في الزمان والمكان، ينتظر اللحظة المناسبة ليخرج؟ في كل يوم، أتمنى أن أستطيع الهروب من نفسي، أن أعود إلى تلك اللحظة التي كنت فيها صادقة مع مشاعري، ولكن لا شيء يعود. لا أحد يعود.
وفي النهاية، نحن جئنا من العدم، وسنعود إليه.
المنفى ليس نهاية، بل بداية جديدة، بداية في العدم الذي لا يتوقف عن مناداة أرواحنا التي تهيم بين الفضاءات الفارغة.
في النهاية، نحن كُنا ولا نزال، نحيا في هذا العدم المؤقت، نبحث عن معنى في وسط الفراغ، وأعلم أننا سنعود إليه، حيث لا شيء، سوى الحقيقة العميقة التي لم نستطع أن نراها في يوم من الأيام.