:
لا أدري حقيقة متى سيرتفع الوعي في مجتمعاتنا إلى درجة ندرك معها أن أية قضية خلافية - اختلف الفقهاء والمفتون في تصورها وتكييفها الفقهي - ستبقى محل خلاف ، والقطع فيها برأي معين لهو نوع من الخلط بين ماهو قطعي وماهو ظني، وهذا في حد ذاته خلل كبير .
وفي مسالة فوائد البنوك تحديدا ، حين يفتي بعض الفقهاء بتحريمها ، فلأن تصورهم لفائدة البنك لايختلف في شيء عن ربا الجاهلية المحرم ، إذ تصوروا عمل البنك قرضا بفائدة و" كل قرض جر نفعا فهو ربا "
والذين أفتوا بالحل ، وهم في الغالب : المؤسسات الافتائية المعنية وبعض المجامع المختصة كمجمع البحوث الإسلامية ،وكثير من الباحثين المتخصصين من الشرعيين والاقتصاديين ، هؤلاء جميعا تصوروا عمل البنوك بأنه من العقود الاسثمارية والتمويلية المستحدثة، والفائدة البنكية ليست هي عين الزيادة في الربا المحرم ، وبناء عليه جاء تكييفهم الفقهي بكونها عائدا استثماريا أو تمويليا ، أخذا من التوصيف القانوني الحديث لعمل البنوك كما تعلن هي عن نفسها ، وكذا بنص الدستور والقوانين المفسرة له .
كما أن البنك شخصية اعتبارية في الأصل ، وهذا معناه نفي الاستغلال المحرم بين البنك والعميل ، كما هو الحال بين المقرض والمقترض .
هذا بالإضافة إلى أهمية البنوك في ضبط اقتصاديات الدول ، وحفظ أموال الناس ، ومعلوم أن حفظ المال مقصد من مقاصد الشريعة ، وأن حفظ النظام العام بحيث لاتتهدم الدول أو تنهار اقتصاديا ، هو مقصود الشريعة الأعظم ، كما قرر الفقيه المقاصدي ابن عاشور .
والخلاصة ياسادة أن الفقهاء قرروا بعض القواعد المريحة للجميع ، في مثل هذه الحالات التي تحتدم فيها الخلافات ، قالوا : "لايخفى الو رع " والخروج من الخلاف مستحب "
وعليه : يكون لكل إنسان لايستريح قلبه إلى معاملة البنوك ولديه البدائل التي يمكنه بها حفظ ماله ، الحق في أن يفعل مايستريح إليه قلبه ، ولاينكر عليه في ذلك .
وكذا بالنسبة لمن يطمئن قلبه إلى سلامة تلك المعاملة تقليدا لمن أجاز ، له أن يتعامل بها ، ولاينكر أحد على أحد ولايتهم أحد أحدا .
كفانا سلطوية وتجريحا وطعنا وتشويها واتهامات جاهزة لكل من يخالف قناعتنا ؟
كلنا يعلم كم خلقنا الله مختلفين ، فابنك الذي من صلبك ، وربيته على عينك ليس نسخة منك ولن يكون !!! فكيف تتصور أن تجد اتحادا عاما حول رأيك وراحة تامة لاختياراتك ! !! حقيقة هذه أماني وإن هم إلا يظنون .