رجاء الرحمة بعقولنا
……………………………..
جاءني على الخاص رسالة من أحد المتخصصين في علوم الشريعة يلومني على تخصيص عدة منشورات للحديث عن فكر الشيخ الإمام محمد عبده رحمه الله ومدرسته .
والحقيقة أن الرجل كان مهذبا فلم يعب على الشيخ في شيء ولكنه قال : ليتك توجهي الناس إلى من هم أولى بالحديث منه ، وماالشيخ إلى جوار من سبق من علماء الامة " إلا كبقل بين أصول نخل طوال"
والحقيقة أن هذه العبارة قالها سلفا : اللغوي القاريء أبو عمر بن العلاء- المتوفى عام ١٤٥ من الهجرة- يصف حاله تواضعا ، ولكنها لاقت قبولا وترويجا في قلب كل خامل ، شرفه الله بأن أقامه خادما لعلوم الشريعة ليجددها ويحيي تعاليمها في القلوب بما تحمله من قيم خالدة وتشريعات راقية ، ولكنه يأبى إلا الخمول وحمل الناس حملا على أن يعيشوا في الماضي فكرا وفقها ولباسا وهيئة ، لاأخلاقا وتحققا بالشريعة في روحها ومقاصدها وقيمها المثلى .
ياأخي الفاضل : إذاكان أبو عمرو بن العلاء قد قال ذلك ، فهناك من علماء الأمة من رفض هذا القول رفضا باتا وأنكره بغاية الإنكار ، فالإمام المحدث والفقيه المالكي الأندلسي ابن عبد البر - المتوفى عام ٤٦٣ من الهجرة - صاحب التصانيف العظيمة ومنها : الاستذكار والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ، يقول معقبا على مثل هذا القول :
" لم أجد أضر على العلم والعلماء من قول القائل : ماترك الأول للآخر " ويضيف الإمام الألوسي المفسر المعروف " وكم ترك الأول للآخر "
أما القرافي الفقيه المالكي صاحب الموسوعات الفقهية الماتعة ، وكتابه "الفروق "الفريد في مادته ومنهجه فيقول " وكم من تفصيل قد سكت عنه الدهر الطويل ، وأجراه الله تعالى على قلب من شاء من عباده في جميع العلوم العقليات والنقليات ، ومن اشتغل بالعلوم وكثر تحصيله لها اطلع على شيء كثير من ذلك "
حقيقة مجرد القناعة بأن الاجتهاد قد توقف عند السابقين وأننا لن نضيف إليهم شيئا يذكر ، فهذا يعني الموت الحقيقى لهذه الأمة .
وأسأل سؤالا بريئا " ما تفسيركم إذن لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها "
وأقول : لايزال جيلنا يتجرع الويلات كلما حاول أن يثير فكرة جديدة ولو على استحياء ، ودون أن يدبجها بعبارات من مثل : أنا لاشيء ولكني أرى كذا. أو إذاكان لمثلي أن بجتهد فأرى كذا ، أو أسأل الله العفو هل لي ان أقول كذا ؟
للمرة الثانية أقول : الرحمةبعقولنا !!! فلن يضرنا أبدا أن تفتح نوافذ بيوتنا للشمس تنير وتدفىء و تجدد وتطهر ، ولكن مع الإغلاق التام لن يكون سوى العلل العضال ، ثم الموت ببطء شديد .