آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة محمد شحاتة
  5. خبير الخطوط
⭐ 0 / 5

كل حاجة اتغيَّرت مع الخبطة اللي سمعتها على باب مكتبي، رفعت عيني عن ملف القضيَّة اللي كنت بقرأ فيه وبصّيت ناحية الباب وقُلت:

-ادخُل.

الباب اتفتح ولقيت عسكري الحِراسة داخل المكتب، ولمَّا وقف قدَّامي قال لي:

-في واحد برَّه عاوز يقابل سعادتك يا أفندم.

بصِّيت للعسكري وقُلت له:

-مَاتعرفش اسمه أو طالب يقابلني ليه؟

-مقالش حاجة يا باشا، بَس قال لي لازم أقابل وكيل النيابة ضروري.

قفلت الملف اللي قدامي، أخدت نَفَس عميق وأنا ببُص للعسكري، بعدها قُلت له:

-خليه يدخُل.

العسكري خرج من المكتب، ومفيش ثواني ودخل عليَّا شخص لابس بدلة ماركة، لمَّا قرَّب من المكتب ابتسم وقال لي:

-صباح الخير يا حمدي بيه.

زوقيًّا قُمت من فوق الكرسي ومدّيت إيدي ناحيته وسلِّمت عليه، بعدها قُلت له:

-صباح النور يا أفندم، مين حضرتك؟

بَص لي قبل ما يجاوب وقال لي:

-مش هتسمح لي أقعد الأول؟

شاورت له ناحية الكرسي اللي قدام المكتب وقُلت له:

-أوي أوي، اتفضل ارتاح طبعًا.

قعد بكُل ثقة وفرَد ضهره على مسند الكرسي، وساعتها سألته:

-مقولتش برضه مين حضرتك؟

وبنفس الثقة اللي عنده من وقت ما دخل المكتب قال لي:

-هشام علوان، رجل أعمال.

-أهلًا وسهلًا، يا ترى إيه مناسبة زيارة حضرتك الكريمة؟

-أنا جاي بخصوص قضية عماد الشاذلي الله يرحمه.

رجعت بضهري على مسند الكرسي وأخدت نَفَس عميق، وفي لحظة افتكرت كل تفاصيل القضية لأنها كانت معايا، وبعد ثواني من التفكير قُلت له:

-القضية اتقفلت من فترة، والتحقيقات أثبتت إنه انتحر.

بَص في عيني بنفس الثقة العجيبة وقال لي:

-عماد الشاذلي اتقتل يا أفندم مُش انتحر.

إصراره خلَّاني أقوم من على الكرسي، مشيت ناحيته بخطوات هادية وأنا باصص في عينيه، وفي اللحظات دي، عقلي كان بيفكر في مليون حاجة: رجل أعمال زي ده ليه جاي بعد الوقت ده يفتح باب مقفول؟ إيه مصلحته إنه يعمل ده؟ والأغرب من كِدَه؛ ليه فصل ساكِت وجاي يتكلّم بعد ما كل حاجة انتهت؟

على ما سألت نفسي الكام سؤال دول كنت قعدت على الكرسي اللي قدامه، بصِّيت له وأنا بحاول أفهم من نظراته سبب اللي بيعمله وبعدها سألته:

-إشمعنى جاي تقول الكلام ده دلوقت؟ كُنت فين الفترة اللي فاتت؟

-كُنت مسافر برَّه، وحضرتك تقدر تتأكّد عن طريق المنافذ وتعرف تاريخ المغادرة والوصول.

انتظرت لثواني وأنا بفكَّر في كلامه، بعدها قُلت له:

-حادثة الانتحار حصلت من شهرين والتحقيق فيها اتقفل، وحضرتك بتقول إنك كنت مسافر، يعني ماشوفتش تفاصيل جريمة القتل اللي جاي تقول عنها، عرفت إزاي إنه اتقتل وأنت مسافر برَّه؟ في حين إن كل التحقيقات والأدلَّة بتقول إنه انتحار.

قرَّب منّي وهو بيبادلني نفس البصَّة وكأنه بيتحدَّاني وقال لي:

-قَتل يا أفندم مُش انتحار، أنا واثق جدًا إن شخص ناجح زي عماد الشاذلي عمره ما ينتحر.

حاولت أهدّي نفسي على قد ما أقدر، وعشان أعصابي ماتفلِتش منّي قُلت له:

-لو واحد غيرك يا أستاذ هشام علوان كُنت ناديت على العسكري يطلَّعه برَّه، هعتبر إنه جاي يضيَّع وقتي، ولأن باين على حضرتك ابن ناس قبل ما تكون رجل أعمال، أحِب أقول لَك شوية معلومات جايز ماتعرفش عنها حاجة.

قُلت له الكلمتين دول وقُمت من على الكرسي اللي قدامه، مشيت ناحية كرسي مكتبي وقعدت وأنا بقول له:

-عماد الشاذلي مات مُنتحر، ضَرب نفسه بالنار في دماغه، وبالمسدس الخاص بتاعه، وقبل كل ده كَتب رسالة قال فيها إنه هينتحر بسبب خوفه من الإفلاس، واتأكدنا من دَه في التحقيق لأنه سحب أرصدته من البنوك على دفعات وبدون مُبرّر، وده اتفسَّر إنه خاف يتحجز على الفلوس اللي كان لسَّه بيمتلكها ويقدر يتصرَّف فيها.

لحد هنا رَد عليَّا وقال لي:

-تقدر حضرتك تقول لي الفلوس اللي سحبها راحت فين؟

حبّيت أرسم له خط أحمر عشان مايتجاوزش حدوده معايا فقلت له:

-أستاذ هشام، مُش عشان سمحت لك تدخل مكتبي وتتكلم معايا في قضيَّة اتقفلت، إن ده يعطيك الحق توجّه لي أسئلة، حضرتك في مكتب وكيل نيابة، وأنا هنا اللي بحقَّق وبوجِّه الأسئلة مش العكس.

في اللحظة دي غيَّر نبرة صوته وتنازل عن الثقة اللي عنده وقال لي:

-مقصدش طبعًا يا أفندم، أنا بَس حبّيت ألفت انتباه حضرتك إن الفلوس اختفت.

ردّيت عليه وأنا بحاول أختصر الكلام وقُلت له:

-إحنا كنا بنحقق في بلاغ وصلنا إن عماد انضرب بالنار في مكتبه اللي في الفيلا، واللي اكتشف الحكاية دي البواب؛ لأن زي ما أنت عارف إن عماد لا متجوّز ولا عنده أولاد. البواب قال إنه وصله تليفون من رقم غير معروف قال له إن بواب زميله عمل حادثة وراقد في المستشفى بين الحيا والموت، وإنه استأذن من عماد عشان يروح يطمن عليه، لكنه لمَّا وصل المستشفى لقى الخبر كذب، ولما رجع الفيلا لقى عماد مضروب بالنار، والتحقيقات أثبتت إنه انتحار، أما حكاية الفلوس دي، فاتسحبت بتاريخ سابق للواقعة، يعني مالهاش علاقة باللي حصل لا من قريب ولا من بعيد، دَه غير إن أنا اللي عاوز ألفِت انتباه حضرتك لحاجة مهمة، إحنا بنعمل شغلنا على أكمل وجه، عشان دي حقوق ناس، يعني ماينفعش يكون حد له حُق ونسيبه. لمَّا فحصنا مسرح الجريمة لقيناه مقتول بمسدَّسُه الشخصي المترخَّص، وبصماته كمان عليه، دَه غير الرسالة اللي كتبها بخط إيده في أجندته الخاصة ووقَّع تحتها، وأحب أقول لك إننا اتأكّدنا إن ده توقيعه؛ لأننا عملنا مقارنة بينه وبين توقيعه على أوراق رسمية في شغله، مُش كده وبس لأ، دَه إحنا كمان أخدنا نسخة من نموذج توقيعه الرسمي اللي في البنك، واللي بناءً عليه كان بيتصرف أي شيك عليه توقيعه، وبرضه كان مطابق لتوقيعه اللي تحت رسالة الانتحار، وفوق كل ده؛ إن كاميرات المراقبة مارصدتش أي حد دخل أو خرج من الفيلا في وقت الحادثة، مفيش غير البواب اللي ظهر في الكاميرا وهو راجع من برَّه وداخل الفيلا، وفي نفس الوقت ظهر وهو خارج بيجري ومفزوع لمَّا شاف عماد مضروب بالنار، وما بين اللقطتين كان في لقطة تالتة أخدتها الكاميرا اللي جوَّه المكتب، وهي إن البواب لمَّا دخل كان عماد ميّت منتحر بالفعل، ده غير إن الكاميرا رصدته وهو بيضرب نفسه بالمسدس بعد ما ركِّب كاتم الصوت في مسدَّسه عشان عملية الانتحار تتم في صمت.

-ملفتش نظر حضرتك المكالمة اللي جَت للبواب وفيها خبر مش صحيح؟

-أكيد لفتت انتباهي، وارد يكون حد عامل فيه مقلب، لكن مالهاش أي ارتباط جوهري بالحادثة، الرابط الوحيد بينهم إنها جَت قبل الحادثة بشوية، وده مالوش أي قيمة في القضية.

في اللحظة دي قام من على الكرسي وقال لي:

-مش عايز حضرتك تفهمني غلط، بَس حابب أقول مستحيل عماد يسيب رسالة انتحار وينتحر، ده صديقي وأنا عارفه كويس.

معرفش البني آدم ده كان جايب الثقة دي منين، عشان كِدَه حاولت أبيِّن له إن صبري قرَّب ينفذ فقُلت له:

-والكاميرا برضه رصدته وهو بيكتب رسالة الانتحار في الأجندة وبينتحر، وياريت حضرتك متضيَّعش وقتي أكتر من كِدَه، وإلا حضرتك عارف عواقب دَه إيه.

هَز راسه وقال لي:

-أكيد عارف العواقب يا أفندم، ولولا ما أنا متأكد من كلامي ماكنتش جيت لحد هنا وعرَّضت نفسي للمسؤولية. أنا بستسمح حضرتك تفتح التحقيق من تاني في القضية.

-مش بالسهولة دي، القضية لو اتفتحت هتكون أنت أول حد مُشتبه فيه، دَه لو اتعاملنا معاها باعتبارها قضية قتل، وده لأنَّك لحد دلوقت ماقولتش مين اللي ممكن يكون قتله برغم إنك واثق من إنه اتقتل.

-مفيش رجل أعمال مالوش أعداء، أكيد في مشكلة بينه وبين أي منافس وهوَّ اللي قتله، وبما إني صديق عماد عاوز حقُّه يرجع له.

بدأت أغيَّر لهجتي معاه فقُلت له:

-صديقه! حلو. وبما إنك رجل أعمال وصديقه في نفس الوقت، يبقى وارد تكون المشكلة بينك وبينه وأنت اللي قتلته، عشان كِدَه جاي تقول إنه اتقتل بكل ثقة.

بَلع ريقه لمَّا لقى الترابيزة اتقلبت عليه وقال لي:

-وإيه اللي هيخلّيني آجي لحضرتك وأقول الكلام ده لو أنا اللي قتلته.

-وارد يكون ضميرك صحي فجأة وجاي تقول الكلام ده؛ عشان نفتح التحقيق من تاني، ونوصل برضه لإنها حادثة انتحار، خصوصًا إن الكاميرا والأدلة أثبتت ده.

-وأنا هستفاد إيه لمَّا أعمل كِدَه؟

-جايز ده يخلّي ضميرك يرتاح شوية، من باب يعني إني رُحت ألفت انتباهم بنفسي وبرضه ماعرفوش يمسكوا عليّا حاجة.

-حضرتك فاهم غلط.

-اللي حضرتي فاهمه إنك أخدت من وقتي كتير، ولو على القضية اللي عاوزها تتفتح، تقدر تقدم طلب للمحامي العام وتطلب فيه فتح القضية، وساعتها يبقى في كلام تاني.

استأذن وخرج من مكتبي وسابني ألِف حوالين نفسي، رجعت أفكر في القضية من تاني، وساعتها التفاصيل فاتت قدام عيني، في اللحظة دي لقيتني بركن كلامه على جنب وكأني ماسمعتش حاجة. أصل مش معقول هسيب كل الأدلة اللي اطَّلعت عليها بنفسي، وأمشي ورا كلام مُرسَل من شَخص الله أعلم إيه مصلحته إنه يعمل ده.

لمَّا الصداع زاد عليا، رنّيت زرار الجَرس اللي قدامي، ساعتها الباب اتفتح والعسكري دخل وقال لي:

-أوامرك يا باشا.

-اطلب لي قهوة من البوفيه.

على ما القهوة وصلت، كُنت طلَّعت حبّاية بنادول من شريط في درج المكتب، بعدها قعدت أشرب القهوة وأنا بحاول أسيطر على الصداع اللي مسك دماغي، في الوقت ده باب المكتب خبَّط من تاني، ولمّا أذنت بالدخول للشخص اللي بيخبَّط لقيته مُراد؛ ظابط مباحث اشتغل معايا كتير، واللي بقى صديق مُقرَّب منّي، ومن حُسن حظي إنه الظابط اللي كان ماسك تحرّيات قضيّة عماد الشاذلي، أوّل ما شافني بشرب القهوة قال لي:

-صباح الفل يا حمدي بيه، أخبار معاليك إيه يا باشا؟

-صباح النور يا مُراد، ابن حلال جيت في وقتك.

-مالك يا باشا، واضح إن في حاجة شاغلة بالك.

-لحظة أطلب لَك قهوة ونتكلم.

طلبت له القهوة ولمَّا وصلت وشربها قُلت له:

-فاكر قضية عماد الشاذلي؟

-أكيد فاكرها يا باشا، دَه رجل الأعمال اللي انتحر.

-حلو، النهار ده بقى دخل عليّا واحد قال إنه يبقى صديقه، كان مسافر ولمَّا رجع جِه لحد مكتبي وقال إنه اللي حصل حادثة قتل مش انتحار.

لمَّا مُراد سمعني برَّق والذهول سيطر عليه وقال لي:

-لا مؤاخذة يا باشا الشخص اللي بتقول عليه دَه جاب الثقة دي منين؟ إذا كنّا بنفسنا شُفنا تسجيل كاميرا مكتب عماد الشاذلي وهو بيكتب رسالة انتحاره وبينتحر بعدها بمسدَّسه الخاص.

-دَه اللي أنا قُلته في الآخر، أصل محبّتش أقول دَه في بداية كلامي معاه عشان أشوف آخره.

-طيّب وحضرتك شايف إيه؟

-شايف إن الحكاية فيها شيء غامض وهينكشف مع الوقت.

-مش جايز الشخص ده بيهزَّر يا باشا؟

بصّيت له بصَّة طويلة لمَّا قال كده وقُلت له:

-مفيش حد يقدر يهزَّر مع النيابة يا مُراد، وأكيد شخص زي ده عاقل وموزون ومش هيفكّر بالسذاجة دي.

-طيّب وحضرتك محقَّقتش معاه ليه؟

-هحقَّق معاه بمناسبة إيه؟ القضية اتقفلت والكلام اللي قاله لا هيقدّم ولا هيأخَّر.

-بَس خلّى حضرتك تفكَّر في القضية، والدليل إنك فتحت معايا الكلام فيها.

-مبدئيًا عايزك تسأل في المنافذ عن هشام علوان، شوف لو في حد بالاسم ده سافر من فترة ورجع ولا لأ.

-بسيطة يا باشا.

على ما طلبت منُّه الطلب ده كان شرب قهوته، بعدها قام وقال لي:

-ساعة زمن وأرُد على معاليك.

سابني وخرج من المكتب وفضلت ألف في دايرة مقفولة، وعلى ما فاتت ساعة كان الصداع مخلَّانيش شايف قدامي، لحد ما سمعت رنة تليفوني، لمَّا بصيت ناحية شاشته لقيته مراد، مسكت التليفون وفتحت المكالمة:

-أيوه يا مُراد.

-في واحد بالاسم ده سافر قبل الحادثة بشهرين تقريبًا ولسَّه راجع امبارح، ومن ضمن بيانات جواز سفره إنه مستثمر، رجل أعمال يعني.

قفلت معاه بعد ما قُلت له إني هتّصل بيه من تاني، اليوم فات من غير ما دماغي تفصل تفكير في القضية، لدرجة إني في الليلة دي روَّحت البيت متأخر وأنا بفكّر في اللي حصل، ساعتها هالة مراتي قالت لي:

-مالك يا حمدي، سرحان في إيه؟

-مفيش، في قضيَّة شاغلى دماغي.

-وإيه الجديد؟ ما أنت كل يوم والتاني معاك قضيَّة، أوّل مرَّة أشوفك كده!

محبِّتش أفتح كلام معاها، لأني مش متعوّد أحكي معاها عن شغلي، وعشان كمان متاخدش فرصة وتحكي معايا في أي حاجة تعكنن عليا، عشان كِدَه قُلت لها:

-أنا هدخل أنام لأني مُش شايف قدامي.

دخلت الأوضة وغيَّرت هدومي، وبمجرَّد ما حطيت راسي على المخدة محسِّتش بنفسي، قُمت في ميعاد صَحَياني عادي، ساعتها لقيت هالة رايحة في سابع نومة، رُحت الحمام غسلت وشي، بعدها رجعت الأوضة لبست هدومي وخرجت، كل ده بدون ما أعمل إزعاج عشان ماتصحاش.

أخدت بعضي وطلعت على مكتبي، وبعد ما قعدت ويادوب بشرب قهوتي؛ لقيت باب المكتب بيخبَّط، بعدها دخل العسكري ومعاه ورقة، ساعتها قرَّب منّي وقال لي:

-الورقة دي جاية لحضرتك من مكتب المحامي العام يا أفندم.

أخدت الورقة وشكرته، ولمَّا قرأتها حسّيت بذهول، أصل كان فيها طلب قدِّمه هشام علوان عشان يفتح التحقيق في قضية عماد الشاذلي من تاني.

القضيَّة اتفتحت بشكل رسمي، بدأت في إجراءاتي وطلبت الملف، بعدها مسكت تليفوني واتصلت بمُراد ولمَّا رد عليّا قُلت له:

-إزيك يا مُراد، الشخص اللي قُلت لك عليه عمل طلب للمحامي العام واتقبل، وده معناه إننا هنبدأ تحقيق في القضية من تاني.

-تأمر بإيه يا باشا؟

-دلوقت هصدِر أمر حضور باسم هشام علوان، ياريت تيجي تاخد الأمر وتبعت تجيبه، أنا عايزه في مكتبي النهار ده.

-مسافة السكة وأكون عندك يا باشا.

قَبل الضُّهر؛ كان هشام علوان قاعد في مكتبي؛ لكن المرَّة دي في تحقيق رسمي، وبعد ما بلَّغته إن الطلب اللي قدّمه للمحامي العام اتقبل وبسرعة كمان، فتحت محضر رسمي وبدأت التحقيق، فضلت أسأل وهوَّ يجاوب وكاتب النيابة بيكتب ورانا، كان بيحكي نفس الكلام اللي سمعته منُّه قبل كده؛ وفضلنا على الحال ده لحد ما قُلت له:

-إيه دليلك إن عماد الشاذلي مات مقتول مش منتحر؟

-عشان اللي قتله ضربه بالنار في مكتبه، ورسالة انتحاره مشكوك فيها.

-بس تسجيل الكاميرا بيقول غير كده، وكمان لما عرضنا رسالة الانتحار على خبير خطوط أكِّد إنها بخط إيده.

-قبل ما أسافر كان في اتفاق بيني وبين عماد إننا هنشتري قطعة أرض كبيرة بالنُّص؛ شِركة يعني، وده عشان نحافظ على فلوسنا وقيمة الأرض تزيد ونكسب. وعلى الأساس دَه بدأ يسحب فلوسه من البنوك على مراحل، حضرتك عارف إنه مينفعش يسحب المبلغ ده كله مرة واحدة، بحيث يعني إنه يكون سحب المبلغ بالكامل قبل ما أرجع من السفر، بَس حصلت الحادثة واتفاقنا متنفِّذش.

-لكن لمَّا فحصنا تليفونه مَلقناش أي مكالمات أو رسايل بينك وبينه، يادوب رسايل عادية ومكالمات بينه وبين أصدقاؤه وأخوه، والتحقيقات مأثبتتش حاجة ضدهم، بالعكس، الدليل الوحيد اللي معانا كان ضد عماد نفسه لأنه انتحر.

-عماد كان شخص حريص جدًا، كان بيحذف الرسايل والمكالمات اللي تخُص صفقاته أوّل بأوّل؛ عشان محدش يعرف الخطوة الجاية بتاعته إيه. لكن كان عنده قدرة رهيبة إنه يحفظ أي معلومة في دماغه.

-تقصد بكلامك إن في حد كان يعرف إنكم هتشتروا قطعة أرض وحب يخلص منُّكم عشان يحُط إيده عليها؟

-وارد جدًا يا أفندم؛ ليه لأ.

-وبما إنك كنت مسافر فمكانش قدامه غير عماد، عشان كِدَه خلِص منُّه، ده غير إنك رجعت من السفر بقالك يومين ومفيش حد حاول يتخلَّص منَّك.

-جايز عشان عارف إني معنديش المقدرة المالية اللي تخليني أشتري الأرض لوحدي، وإلا كان زماني اشتريتها ومفكَّرتش أدخل شريك مع عماد.

فتحت اللاب توب اللي قدامي ورجعت لتفريغ الكاميرا اللي محتفظ بيه، وبما إنه بقى تحقيق رسمي؛ خلّيته يشوف عماد وهو بيكتب رسالة الانتحار وبعدها بيضرب نفسه بالمسدس، في اللحظة دي لقيته بيقول لي:

-مُش قادر أنكر اللي في الفيديو، لكن في نفس الوقت مش قادر أقتنع إن عماد انتحر.

قفلت التحقيق وقُلت له:

-طيِّب تقدر تستأذن دلوقت يا أستاذ هشام، وطبعًا أنت عارف، ماينفعش تختفي طول ما التحقيق مفتوح؛ لأننا هنحتاجك في أي وقت.

لمَّا خرج من المكتب لقيت نفسي بفكَّر في مَربط الفَرس؛ رسالة الانتحار، قُلت في نفسي أبدأ من الحاجة اللي هشام متأكّد منها، فتحت ملف القضيّة وطلَّعت الرسالة، بعدها لقيت نفسي بفكَّر في الدكتور فؤاد؛ خبير خطوط مُتقاعد اشتغلت معاه في قضايا كتير زمان، وياما قضايا كتير اتحلَّت ولغزها اتفك عن طريقه، لأنه مكانش مجرَّد خبير عادي؛ بالعكس، دَه كان بيبُص للخط بيعرف إذا كان حقيقي ولا مزوَّر، وكمان بيعرف صاحب الخط كتبه بإرادته ولا تحت ضغط، وبيقدر يوصل للحالة النفسية اللي الشخص كان فيها وهوَّ بيكتب.

طلَّعت تليفوني ودوَّرت على رقمه، اتصلّت بيه وانتظرت لحد ما المكالمة اتفتحت وقال لي:

-إزيك يا حمدي بيه.

-الله يسلمك يا دكتور، كويّس إنك لسَّه فاكرني.

-مقدرش أنساك يا باشا، عاش مِن سمع صوتك.

-تسلم يا حبيبي ربنا يكرمك. بقول لك يا دكتور كنت عاوز حضرتك في خدمة، عندي قضية كانت مقفولة واتفتحت من تاني، يعني لو تقدر تعدّي عليّا في النيابة عشان تفحص خط المجني عليه.

-لكن يا حمدي بيه حضرتك عارف إني متقاعد من فترة طويلة.

-ماتحملش هَم، أنا ممكن أعمل لَك انتداب رسمي من النيابة بخصوص القضية دي.

-عمومًا أنا مَقدرش أتأخَّر عنك.

-اتفقنا، النهار ده إن شاء الله هخلَّص لك ورقة الانتداب، وبُكره الصبح تشرَّفني في المكتب.

تاني يوم وبعد ما وصلت مكتبي بنُص ساعة، العسكري خبَّط وبعدها فتح الباب وقال لي:

_في واحد برَّه بيقول إن اسمه الدكتور فؤاد يا أفندم وعاوز يقابل حضرتك.

طلبت من العسكري يسيبه يدخل، ولمَّا دخل المكتب قُمت من مكاني وأنا برحَّب بيه وبقول له:

_منوَّر مبنى النيابة يا دكتور.

_بنورك يا حمدي بيه، يا ترى إيه حكاية القضيَّة اللي خلّٰتك تعمل لي انتداب.

_هنتكلم وإحنا واقفين ولا إيه؟

قعدت على مكتبي والدكتور فؤاد قعد على الكرسي اللي قدامي، وبعد ما دردشنا شوية في قضايا زمان وطلبت له قهوته وشربها، فتحت ملف القضية وطلَّعت رسالة الانتحار اللي كتبها عماد وقُلت له:

_حادثة انتحار عماد الشاذلي، دي الرسالة اللي عماد ظهر في الفيديو وهو بيكتبها قبل انتحاره، وفي نفس الوقت ظَهَر شخص اسمه هشام علوان بيطعن فيها وبيقول مستحيل يكتبها.

الدكتور فؤاد أخد الورقة وحطها قدامه، وبعدها طلَّع العدسة المُكبّرة من جيبه وبدأ يفحصها من بدايتها لنهايتها، فضلت منتظر وأنا قلبي بيدق. فحص الرسالة أكتر من مرَّة، بعدها حط العدسة فوق الورقة وبَص ناحيتي وقال لي:

_مفيش عندك نموذج تاني لخط عماد الشاذلي؟

دوَّرت في الملف من تاني، ساعتها لقيت نموذج توكيل داخلي كان عماد عامله في البنك لأخوه عشان يسحب مبلغ معيّن كل شهر من حسابه، التوكيل كان مكتوب بخط إيد عماد وموقَّع عليه، وكمان عليه ختم البنك، وكنا اتحفَّظنا على أصل التوكيل من ضمن الأوراق اللي عليها توقيعه عشان نقارنه بالتوقيع اللي في رسالة الانتحار، سحبت التوكيل من الملف وناولته للدكتور فؤاد وقلت له:

_ينفع التوكيل ده؟

أخد التوكيل وبدأ يفحصه بالعدسة ويقارن بينه وبين الرسالة، وبعد ما خلَّص قال لي:

_التوقيع سليم والخط اللي انكتبت بيه الرسالة كمان سليم، لكنها مكتوبة تحت التهديد.

بصيت للدكتور فؤاد وقلت له:

_واحدة واحدة عليّا يا دكتور عشان أفهم، تهديد إزاي إذا كنا شُفنا تسجيل الكاميرا وكان بيكتبها بكامل إرادته.

_الرسالة اتفحصت بشكل سريع عشان الفيديو حَسَم القضية، خصوصًا وإن عماد كتب الرسالة وانتحر قدام الكاميرا، لكن حركة الإيد والخط بتقول إنه كان تحت التهديد وهو بيكتب، وده واضح جدًا لمَّا قارنت بين الخط في الرسالة والخط في التوكيل. عندك مثلًا خط الرسالة زاوية الميل فيه مختلفة، وده معناه إن الشخص اللي كتب كان مُجبر على وضعيّة جلوس معيَّنة عشان يكتب غصب عنه، ده غير إن في حروف طريقة رسمها مختلفة في الورقتين، برغم إن اللي كاتبهم نفس الشخص، وده بيأكّد فرضية الإجبار اللي قُلت عليها، الهَزَّة اللي في الحروف دي معناها إن شيء داخلي جوَّه الشخص كان رافض يكتب، ده غير ضغط القلم على الورقة، شوية خفيف وشوية ضاغط زيادة عن اللزوم، وده مش بيحصل غير نتيجة تردد، وكل ما يبطّل كتابة حد يهدِّده ويطلب منّه يكمّل.

الحقيقة إن التحليل العميق ده ميطلعش غير من خبير خطوط زي الدكتور فؤاد، بس كلامه يعمل إيه قُصاد فيديو بيظهر اللي حصل بكل وضوح، واللي حسم القضية في بدايتها، وعلى رأي أبو تمّام لمَّا قال: "السيفُ أصدقُ أنباءً من الكُتبِ". والفيديو كان أصدق وحاسم عن أي حاجة تانية، وبرغم كده قُلت للدكتور فؤاد:

_عايز حضرتك تكتب لي ده في تقرير رسمي؛ لحد ما نشوف الخطوة الجاية هتكون إيه.

لمَّا استلمت التقرير سلِّمته لكاتب النيابة، بعدها شكرت الدكتور فؤاد وقُلت له:

_ أنا مُتشكر جدًا يا دكتور، أكيد هتواصل مع حضرتك ونتقابل تاني.

لمَّا سابني وخرج من المكتب اتصلت على مُراد، ولمَّا رد عليَّا قُلت له:

_الدكتور فؤاد قال إن رسالة الانتحار انكتبت تحت التهديد، ولمَّا طلبت منَّه يكتب ده في تقرير رسمي ماتردِّدش، وده معناه إنه متأكّد من اللي بيقوله.

_طيّب والفيديو اللي بينفي الكلام ده يا حمدي بيه؟

-مُراد، أنت ظابط شُرطة وعارف إن طالما القضية اتفتحت لازم التحقيق فيها يكمَل، حتى لو هنوصل لنفس النتيجة.

-عارف دَه كويّس يا باشا، بَس حضرتك تفسَّر بإيه كلام خبير الخطوط.

-أنا لولا ما اشتغلت مع الدكتور فؤاد زمان وبثق فيه، ماكنتش انتدبته في القضية دي، الراجل دَه ياما حَل ألغاز قضايا عن طريق خبرته في فحص الخطوط، سواء للجاني أو المجني عليه.

-طيّب سعادتك تأمر بإيه؟

-عايزك تخلّي اللي اسمه هشام علوان ده تحت عينك، وكمان هصدِر أمر حضور عشان أحمد الشاذلي أخو عماد يحضر قدامي في النيابة، عايز آخد أقواله من جديد.

-اللي تشوفه يا أفندم.

روَّحت البيت في اليوم دَه ودماغي مشغولة أكتر من كل مرَّة، كُنت مصوَّر تقرير الدكتور فؤاد على تليفوني، وبعد ما غيَّرت هدومي وأكلت؛ قعدت في أوضة مكتبي وأنا فاتح التقرير على التليفون، ساعتها خَطَر على بالي تفسير، يعني جايز عماد الشاذلي كان واخد قرار الانتحار وعارف إنه هيموت بعد ما يكتب الرسالة؛ عشان كِدَه كان متوتّر وهوَّ بيكتب وخطُّه ظهر بالشكل ده، بَس رجعت قُلت في نفسي: لأ. الدكتور فؤاد قال تهديد مش توتُّر.

وقفت تفكير لمَّا لمحت هالة واقفة قدام المكتب، وأنا متعوّد إنها لمَّا بتقف الوقفة دي بيكون في حوار وخناقة مالهاش تلاتين لزمة، عشان كِدَه سألتها:

-واقفة كِدَه ليه؟

-عشان ألفِت نظرك إنك متجوِّز وفي واحدة سِت على ذمِّتك.

قُلت في بالي: "شكلها ليلة أطول من القضيَّة اللي اتفتحت". لكن قدامها؛ ابتسمت في وشَّها وقُلت:

-ما أنا عارف يا حبيبتي إني متجوِّز، والإثبات موجود في البطاقة.

-يا حمدي أنت كل وقتك في النيابة أو في مكتبك بتفكَّر في القضايا، أو راجع تعبان من برَّه ونايم.

-بالظبط يا حبيبتي، كل ستات وكلاء النيابة وظُبَّاط الشرطة حافظين المقطع ده وبيقولوه كل يوم، حتى في الأفلام بيتكرَّر برضه.

-أنت تعرف إننا متجوّزين من عَشر سنين ولسَّة مخلِّفناش؟ وكل ده عشان مش فاضيلي.

-يعني عاوزة نعمل إيه يا حبيبتي أكتر من اللي بيعمله أي اتنين متجوزين.

-عايزاك تاخد من وقتك شوية ونروح لأي دكتور نشوف المشكلة فين.

-خلاص يا حبيبتي، أوعدك بعد القضيّة اللي شغَّال عليها ما تخلص هنروح.

سابتني وخرجت من غير ما تعلَّق على كلامي، ورجعت من تاني للتقرير اللي كتبه الدكتور فؤاد، وساعتها لفت نظري من تاني كلمة تهديد، وده معناه إن في شخص كان بيهدّد عماد وبيجبره لحظة كتابة الرسالة، لكن مين الشخص ده وإزاي عماد ظهر لوحده؟

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب382647
2الكاتبمدونة نهلة حمودة244002
3الكاتبمدونة ياسر سلمي214933
4الكاتبمدونة زينب حمدي182761
5الكاتبمدونة اشرف الكرم157818
6الكاتبمدونة سمير حماد 125596
7الكاتبمدونة مني امين122944
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين118433
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي115297
10الكاتبمدونة آيه الغمري113560

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02

المتواجدون حالياً

1105 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع