ما إن نطقت حلم بتلك العبارة وهي ترددها بخفوت وكأن شفتيها لا تستجيبان لها وهي تقول لن أتزوج من أدهم.. حتى قفزت فرح من مكانها وهي تمسك حلم من كتفيها وتهزها وهي تقول: ماذا تقولين حبيبتي؟ وهل سمعت أذناكِ ما تفوهت به شفتاكِ؟ هل حقا تعنين ما تقولين؟
حلم وهي تغالب دموعها وبحشرجة بصوتها: نعم أعي ما قلته تمامًا، أنا وأدهم لن يجمعنا مكان واحد حتى وإن أردنا ذلك، ربما ليس مقدرًا لنا أن نلتقي في هذه الحياة، ربما قدرنا أن يكون ما حدث ليس إلا حلم عابر مرعلى أرواحنا ولم يتوقف، أو ربما هو طيف راحل قد لمس قلوبنا لتومض معلنة أنها على قيد النبض والحياة.
رهف: ولكن كيف؟ ولماذا؟ أكاد أجن.. هل ما أسمعه فعلًا هو رغبتك يا حلم؟
من فضلك نريد أن نفهم فقط لماذا؟ لماذا؟
حلم: حسنًا.. سأخبركما حتى تزول دهشتكما وحتى لا أترككما بحيرتكما وتساؤلاتكما، عادت برأسها إلى الوراء وهي تستعيد رباطة جأشها وعينيها تراقبان السماء وقرص الشمس يتجه نحو المغيب، عندما كنت بغرفة أدهم وهو فاقد لوعيه كانت تأتي فريدة ونتجاذب أطراف الحديث، وبينما كانت تأخذنا الأحاديث إلى كل الاتجاهات تطرقت ذات يوم للحديث عن رغبة أدهم في تصفية كل أملاكه بمصر خاصة بعد وفاة شقيقه وأنه أصبح يشعر بالسوء مما حدث، لذلك فهو أوكل لمحامي الأسرة بيع الفيلا والأرض وكل ما تملكه الأسرة هنا وتحويل المال إلى فرنسا، حيث ينوي أدهم الاستقرار هناك مدى الحياة وعدم العودة مرة أخرى.
فرح: يبدو هذا منطقيًا.. وماذا في ذلك حبيبتي؟ وهل يتعارض هذا مع ارتباطكما سويًا؟
رهف: يمكنكما السفر والعودة متى شئتما لقضاء العطل والإجازات بمصر.
حلم: ما علمته أن أدهم لا ينوي فقط المغادرة ولكنه ينوي الهجرة وعدم العودة مجددًا إلى هنا، وبالنسبة إلي فهذا بمثابة شهادة وفاة لي، تعلمون أنني لا طاقة لى على مغادرة مصر والإقامة بأي بلد مهما كان.. ومهما كان السبب،
أنا هنا أتنفس وأحيا على عبق الذكريات، هنا عالمي، هنا طفولتي وشبابي وحياتي، هنا رائحة أبي وأمي، بكل ركن من
المنزل لى ذكرى وموقف وحياة، كيف أترك كل هذا؟ نعم لا أقوى على ترك كل هذا خلف ظهري والسفر، حقا لا أستطيع.. لا أستطيع.
فرح: لا تنسي أن هذا حلمك وتلك أمنيتك، أليس هذا الحب هو ما كنتِ تنتظرينه وتحلمين به؟ هل ستتخلين عن هذا الحب ببساطة وتديرين له ظهرك؟
رهف: ومن قال أن هذا لا يمكن تغيره؟ يمكنكما التوصل إلى حل وسط بهذا الأمر، يمكنكما التفاهم.
حلم: لن أقف في طريق رغبته بشأن الهجرة، وهو عليه أن يختار بنفسه ودون أي ضغط مني.
حضر أدهم وأشرف من الخارج يحملان بعض الأ كياس المحملة بالطعام والشراب، ومن ثم توجهوا إلى المطبخ لتجهيز الطعام وإعداد المائدة، طلبت حلم من الفتاتان أن يتوقفا عن الحديث وليقض الله أمرًا كان مفعولا.
توجهت رهف وفرح إلى المطبخ وهما يطلبان منهما الخروج وترك هذا الأمر لهما لحقت بهما حلم وهي شاردة، دقائق وكان الجميع يلتفون حول المائدة وهم يتناولون طعامهم، وما أن أنهى الجميع طعامهم حتى تناولوا القهوة التي أعدتها حلم للجميع، خرج الجميع إلى الشاطئ الممتد إلى مالا نهاية حيث الشمس كانت تتوجه إلى الغروب، والشفق الأحمر يكسو السماء ملقيًا بظلاله على صفحة الماء الأزرق الذي يتماوج برقة.
جلست رهف وفرح وأشرف على كراسيهم حول المائدة بالقرب من ماء البحر وهم يسبحون الخالق ويمجدونه على بديع صنعه وقدرته اللامتناهية وعظيم سلطانه، وكان ثلاثتهم يتحدثون عن الإعداد للخطبة بين أشرف ورهف ويتابعون أدهم و حلم وهما يسيران على شاطئ البحر.
أدهم: هل تصدقيني إذا أخبرتك أن تواجدنا الآن على شاطئ البحر ونحن معًا هو حلم من أحلامي عشته معكِ قبل أن يتحقق ولم أمل منه يوما؟
حلم: نعم سأصدقك لأنه ظل عالقًا بخيالي ولم يغادرني قط. أدهم: تعلمين أنني قضيت عمري السابق أبحث عنكِ؟ كنتُ
أعلم بوجودِك ولكنكيف ومتى اللقاء؟ فهذا ما كنت أجهله، كنت
أبحث عنكِ لأنني كنت دومًا أردد بيني وبين نفسي أنه لا حياة لي بدونك، وأن حبي لكِ تجاوز الحب حتى أصبحت أتنفسك حبًا، ودومًا يأخذني حنيني إليكِ ويقودني خيالي إلى عالمِك الذي أنتمي له.
حلم: كل ما تقوله أشعر به وقد عايشته مشاعرًا وأحاسيس لم تغادرني يومًا واحدا.
أدهم: كنتُ دومًا أردد كل هذا ولم نلتقِ فماذا لو التقينا؟ ماذا لو التقت أعيننا وتوحدت قلوبنا وتلاقت أرواحنا؟
حلم وكأنها تردد ما يقوله بلا وعي أو دون قصد: ماذا لو التقينا؟ ماذا لو التقينا؟
أدهم: وها نحن معًا وسويًا نتشارك الحلم وتحقيقه أصبح قاب قوسين أو أدنى، استطرد يقول بحماﺱ: سأجعلك أسعد إنسانة في الوجود، لن أسمح للحظة ألم أن تمر على قلبك، لن أسمح لأي وجع أن يزور روحك، سنستمتع سويًا بكل لحظة بل سنجعل كل لحظة بيننا حياة.. أعدك بأن حياتنا في فرنسا ستكون أكثر من رائعة ومميزة، سنسكن بالريف الفرنسي.. وسنزور معالمها ونتجول بشوارعها وسنعيشكل لحظة، كان يتحدث بحماس وهو ينظر إلى حلم والتي كانت واجمة تنظر له بصمت وهي تسير بلا توقف وكأنها لا ترى أمامها.
أدهم: ما بكِ؟ هل قلت ما أحزنك؟ هل ضايقتك بشيء؟ حلم دون أن ترد على سﺆاله: لم تخبرني عن الزجاجة وكيف
وصلت إليك
أدهم وهو يستعيد ذلك الحدث والذي يبدو أنه يمثل له حدثًا مميزًا لا ينسى: خرجت ذات يومٍ بأوراقي وألواني إلى البحر لأرسم الشمس وقت الغروب.. كان تقريبًا يشبه هذا الغروب، توقفت على صخرة عالية قريبة من الشاطئ وقبل رحيلي لمحت تلك الزجاجة، وما لفت نظري أنها مغلقة وبداخلها أوراق وكأنها كانت تهمس لي، للحظات كدت أن أغادر دون أن ألقي لها بالًا، ولكن كان بداخلي فضول لأعرف ماذا تحمل بداخلها، كان عندي حدس غريب لا أجد له تفسيرًا، إنها ليست مجرد زجاجة عادية، حاولت كثيرًا جذبها نحوي وفي النهاية نجحت بذلك، وكم كانت دهشتي عندما فتحت الزجاجة وتناولت ما بداخلها..
فلم تكن سوى ورقتين إحداهما كتبتها أنا بخط يدي والأخرى كانت الخيط الذي أوصلني إليكِ.
أغمض أدهم عينيه وهو يردد إحداهما كانت لي وفيها «أعلم أنكِ ستأتين إلى هنا وذات يوم سيقودك الحنين وأعلمي أننا وإن لم يكن مقدرًا لنا اللقاء هنا فسنلتقي هناك أحبك وكفى» وعلى ظهر نفس الورقة وجدت تلك العبارة التي لم ولن يمحوها الزمن من ذاكرتي تلك العبارة التي أشعلت لي شمعة الألم وأنارت لي دربي ووضعت أقدامي على أول الطريق «نعم لقد أتيت وعلِمْتُ أنكّ موجود وربما ليس مقدرًا لنا أن نلتقي هنا أحبك وكفى.»
حلم: هناك سؤال لم أجد له إجابة حتى الآن. أدهم: وما هو؟
حلم: كانت العبارة على الورقة مذيلة باسم أحمد مجدي وليس اسمك أنت، فلماذا؟
أدهم: معكِ حق، وسأخبركِ بما غاب عنكِ.. فقد كان لأخي رحمه الله أجندة مهداة له من إحدى دور النشر، عبارة عن مذكرة صفحاتها بيضاء ومذيلة بأسفلها باسم أخي، وكان يستخدمها كمراسلات بينه وبين دور النشر ليعلموا أنها من طرفه، وعندما كتبت عبارتي لم تكن موجهه لأحد، بل حتى أنني كتبتها وتركتها مكانها ولا أدري كيف أو لماذا أو لمن كتبتها؟
أعقب كلماته بإخراج الزجاجة والورقة لتراها حلم وهي تومئ برأسها دلالة الاستيعاب.
أدهم وهو ينظر نحو حلم بحنو ورقة: لقد آن الآوان يا حلم لنكون سويًا وكفانا ما مضى من عمرنا ونحن برحلة البحث عن أرواحنا.
حلموهي تغالب دموعها: هل لاحظت شيئًا بتلك الورقة؟ أدهم: ماذا تقصدين؟
حلم: بعبارتينا هناك جملة تكررت منك ومني واستطردت قائلة: ربما لم يكن مقدرًا لنا اللقاء هنا.
أدهم: لا أفهم.. هل حقا تقصدين ما فهمته يا حلم؟ هل تريدين أن نفترق فعلًا؟
حلم: إذا غادرت ذكرياتي هنا سوف أترك روحي هنا، لن أكون نفس الفتاة أبدًا، ولن أكون حلم التي تمنيتها.
أدهم: ولكن كيف هذا؟ أويعقل حقًا ما أسمعه منكِ؟ هل وصلنا لنهاية الطريق؟ هل حانت لحظة الفراق عندما التقينا؟ «هل يكون حقًا اللقاء ليس إلا بداية للفراق؟(1)»
«كنت أظن دومًا أن الموت ذاته يقﻒ عاجزًا أمام الأمل في اللقاء، هل سيصبح فراقنا كما لقاؤنا قدر لا مفر منه ولا يمكن تغيره؟ قدر أراد لنا اللقاء ثم ينتهي ما بيننا وأبقي وحدي للشقاء(2)»
لماذا وهل هذا ما تريدينه حقًا يا حلم؟
حلم: لا.. ليس هذا ما أريده ولكنه القدر.
أدهم: عن أي قدرٍ تتحدثين؟ أعن القدر الذي جمع بين أرواحنا ونحن بطرفي العالم؟ أم عن القدر الذي جعلنا نقتسم نفس الحلم ونفس الخيال ونفس الهواجس؟ أم عن القدر الذي جعلنا نتغلب على كل الصعاب والعقبات وكل ما وضع بطريقنا من عراقيل؟ بالله أخبريني أي قدر يا حلم؟ أي قدر؟
حلم: ربما يجب علينا أن يعود كل منا إلى حياته وعالمه، وإن كان قدرنا أن نلتقي فسيتحقق القدر ونلتقي، ربما ما مر بنا يجعل أفكاري مشوشة، وربما أن قلوبنا وأرواحنا المرهقة تحتاج إلى بعض الهدوء.
أدهم وقد اغرورقت عيناه بالدموع وهو يشعر بالعجز: هل هذا قرارك النهائي حقًا؟
حلم: نعم.. يجب أن نعطي لأرواحنا وقلوبنا الفرصة لتقرير المصير ودون أية ضغوﻁ، هذا من أجلنا يا أدهم.. أرجوك ساعدني بهذا.. أتوسل إليك.
أدهم وهو ينظر نظرته الأخيرة والتي تحمل رجاءه وتوسله وجينات عجزه: حسنًا يا حلم، سأبتعد.. ولكن اعلمي أن هذا بمثابة فراق الروح للجسد وغياب النبض عن القلب وفقدان العينين لنورهما، هذا ما سأعيشه بدونكِ.
حلم بدون أن تتحدث فقط كلمات أتت بعقلها ولم تغادر شفتيها قط: وكأنك تتحدث عني.. أرجوك رفقًا بي وبقلبي، رفقًا بروحي.. رفقًا يا أدهم، ليس هذا ما أريده حقًا ولكنه قدرنا.
أدهم: لماذا أنتِ صامتة؟ هل سيكون وداعنا هكذا بلا وداع؟ حلم تمد يدها نحو الزجاجة بهدوء تضع الورقة بداخلها
وتغلقها جيدًا ومن ثم تضعها برفق في الماء الذي امتزج بدموعها
المنهمرة بغزارة.
نظر أدهم إلى حلم وإلى الزجاجة وهي تتمايل مبتعدة وقرص الشمس يكاد يختفي ملقيًا بآخر شعاع نحو الماء، وأدهم مازال غير مصدق لما يحدث.
استدارت حلم عائدة إلى حيث رفيقتيها وهي تردد تلك العبارة التي قرأتها بوقت ما، وكأنها تصف حالها الآن «غريبان نبحث عن زماننا وشاء اللقاء أن نفترق» تنهدت تاركة أدهم يراقب ابتعاد الزجاجة، يبتعد معها حلمه وذكرياته وأمنياته، متمنيًا لو تتحقق المعجزة وتعود له لتخبره أنها لن تتركه، تمنى لو أنها حتى تلقي بنظرة أخيرة عليه علها تكون لحظة التقاء بين أعينهم.
حلم كذلك لم تتوقف دموعها ولم تستجيب لنداءات رهف وفرح اللتين حاولتا اللحاق بها، وكيف تستجيب لهما وهي لم تستجيب لصرخات روحها ونحيب قلبها الذي يعاتبها بعنف؟ حاولت أن تكفكﻒ دموعها وهي تردد: وما بين قدر وقدر نرجو من الله قدر.
عادت حلم برأسها إلى الوراء وهي تحتسي قهوتها وعبق رائحتها يخترق الأنوف مع تصاعد أبخرتها بعبق الهيل.
تيم موجهًا حديثه إلى حلم: ما هذا؟ وكيف يعقل؟ حلم: ماذا تقصد أيها الفتى المشاغب؟
تيم: هل افترقتما حقًا؟ ولم تلتقيا مرة أخرى؟
رحمة وهي تعقب على قول تيم: وكيف هذا أيتها النابغة؟ وهل يعقل أن يفترقا ونحن نرى صورهما سويًا؟
عبد الرحمن: نعم يا جدتي، أنتِ لا تفعلين شيئًا كل يوم وطوال اليوم سوى التقليب في ألبوم الصور ورواية الحكايات لنا عن جدي أدهم ورحلاتكما إلى فرنسا وتركيا والأقصر وأسوان، نظرت حلم إلى تلك الصور التي تجمعها بأدهم وهي تقول: حسنًا أيها الأطفال الأذكياء، ما هو وجه اعتراضكم بالضبط؟
حذيفة: أخبرينا هل تزوجتما أم افترقتما؟ هيا احكي لنا. حلم وهي تضحك حتى بدت أسنانها من خلف شفتيها وهي
تعيد خصلة الشعر البيضاء خلف أذنها ملوحة له بيدها، أيها الذكي
لو افترقنا ما كان أباؤكم ولا كنتم.
هلل الأطفال بفرح ومرح: وكيف حدث هذا؟ احكي لنا يا جدتي.
حلم: هل سمعتم يومًا عن جسد بلا روح؟ هل سمعتم عن قلب بلا نبض؟
هل سمعتم عن ليل لا يتبعه فجر؟
وهكذا ما كان لي ولا لأدهم أن نحيا مفترقين أبدًا..
قالت هذا وهي تطلب منهم الذهاب لتناول الطعام على وعد بأن تروي لهم كيف عادت الروح إلى الجسد والنبض إلى قلوبهما.
ألقت نظرتها الأخيرة على ألبوم الصور وهي تطبع قبلة حانية على جبين أدهم، وهي تنظر إلى عينيه مباشرة وتقول: تحقق نصف الحلم باللقاء هنا، ومازالت دعوتي لله بأن يتحقق بقية الحلم بأن يجمعنا الله هناك، للحظات خيل إليها أن أدهم يبتسم لها بحب ابتسامته المعتادة والتي لم تفارقها يومًا.
أغمضت عينيها لتشعر بيديه تلمس جبينها وصوته يحتضن قلبها وروحها قبل أن تصل إلى أذنيها كلماته الحانية «كنتِ دومًا دعوتي لله وأمنيتي، دعوته أن تكوني زوجتي في الدنيا وحوريتي في الجنة.»
بلا وعي منها رددتكلماتها.. وكم اشتقت إلى اللقاء، اشتقتُ وكفى.
أتاها صوته عبر روحها المطمئنة «حتمًا سنلتقي.. حتمًا
سنلتقي.»
تمت بحمد الله تعالى، وإلى اللقاء في عمل أخر قريبًا جدًا بإذن الله تعالى....








































